تحقيق: الأسرى الأمازيغ المغاربة بفرنسا
كتبهاtinariwen mouloud ، في 2 مارس 2009 الساعة: 23:32 م
منسيون، مهمشون…سمهم ما شئت، لكن حتما لم يسمع بشأنهم الكثير. فقد أسقطوا”سهوا” من السجل التاريخي للمغرب، ولم يعلم بوجود هذه الفئة إلا الزر القليل من أهل الاختصاص…،في المقابل أطنب في دراسة موضوع الأسرى الأوربيين بالمغرب، وعقدت الندوات والأيام الدراسية لاستكشاف مختلف مناحي حياتهم، ومولت البحوث التي تعنى بتقصي أخبارهم، بأسلوب لطالما يطغى عليه التعصب الديني و المبالغة في إبراز معاناة الأسر داخل الإيالة الشريفة…أما المغاربة الموجودون بأوربا”خاصة بفرنسا” في حالة أسر فلم يتم التطرق إليهم البتة، و إن وُجد فلمَمًا في معرض حديث عن قضايا أخرى تقتضي الضرورة المنهجية الاستئناس بهم. جهل مرده شح المصادر و انعدام المراجع القمينة بالبحث في ثناياها عن تلك الومضات وتجميعها بغية تكوين فكرة حول الموضوع.
إن هذا الملف يرنو إلى إجلاء الغموض التاريخي الذي ميز ولا يزال موضوع الأسرى الأمازيغ المغاربة في دول أوربا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص، كاشفا بذلك مختلف تجلياته حسب ما تسعف به المصادر، بدء بطرائق أسرهم وحالهم المعيشي في الأسر، وانتهاء بكيفيات خلاصهم من العبودية. كل ذلك في محاولة لإعادة الاعتبار لمكَون طالما هُمش من تاريخ المغرب.
لقد شكلت فترة حكم الملك لويس الرابع عشر LOUIS XIV (1664-1715) الحقبة الذهبية لتواجد أعداد كبيرة من الأسرى المغاربة(سأكتفي بذكر مصطلح المغاربة دون إرفاقها بالأمازيغ للضرورة المنهجية) بفرنسا تستحق من الباحثين الالتفاتة، حيث لم تكن أعدادهم مثلا في ثلاثينيات القرن السابع عشر تتجاوز العشرة، زد على ذلك وجود مصادر يمكن استغلالها والاستعانة بها عكس ما هو عليةiالحال في الفترات السالفة، والتي لم تستجمع فيها بعد الشروط الأكاديمية الكافية ليرقى الموضوع إلى مستوى دراسته.
سنستعرض الملف على شاكلة مجموعة من المباحث، من بينها استجلاء ظروف عبودية المغاربة، بدءا بطرائق سقوطهم في الأسر، ثم انتقالا لإيضاح كيفيات تنقيلهم وعيشهم بفرنسا، انتهاء بيومياتهم في الأسر و ما يقاسونه تبعا لذلك… ثم تبيان عمليات فكاكهم، وسيحوي بدوره مباحث عدة كأنماط الافتداء، حيث سنأتي فيه على ذكر مختلف الجهود المبذولة لتحرير الأسرى المغاربة، لاسيما مبادرات السلطان العلوي مولاي إسماعيل.
الظرفية العامة:
لا شك بأن الأسر والعبودية ظاهرة عالمية موغلة في القدم، شكلت في العهود الخالية و في أغلب المجتمعات، وسيلة إنتاج و تعامل
مشروعة مبررة و محددة اقتصاديا نتيجة ضعفٍ أو غياب للإمكانات الصناعية الكفيلة بالحد من هذه الظاهرة، ولقد كان العالم المتوسطي بضفتيه من بين عوالم رواج هذا النشاط، لكنه مُيٍِِِِِزَ بخصائص تختلف تمام الاختلاف عن الرق “الأفروأمريكي” في الفترة نفسها(عبودية البيض للسود)، وكذلك عن أشكال متعددة سابقة (الرق الإغريقي/ الروماني/ العربي)، إن ما يميز هذا الرق عامة هو عدم الحصول عليه من البلد الأصلي، بل عن طريق القرصنة التي وضع معالمها الكبرى بالمنطقة، التنامي المطرد للقوة العثمانية والإسبانية بالمجال المتوسطي في القرن الخامس عشر و النصف الثاني من القرن السادس عشر، ذلك أن الصراع القديم بين الصليب والهلال، يعطي الحق لكليهما باستغلال (الكافر: Infidèle) . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الديانتين في بدايتهما حاربتا العبودية بشكل محتشم و غير مُعمم، ولم تتدخلا بقوة إلا في كيفيـة التعامل مع من يعيش وضعيتها…
لقد ازدادت أهمية الأسر بحكم طبيعة الظرفية التي هيمنت على المنطقة خلال نهاية العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، والتي ساهمت في تشكل خريطة جديدة تعكس بداية الانقلاب في موازين القوى بين الطرفين. و كان من تجليات ذلك، تكثيف الهجمات المسيحية على الشواطئ المغربية، مقابل تصاعد وتيرة حركة الجهاد البحري، ومن الطبيعي والحالة هاته أن يرافق هذا التطاحن سقوط أسرى ينتمون لكلا الكيانين، كيان ينظر إليهم ضمن إطار حركة الجهاد كعنصر فعال في تقويض ركائز قوة الآخر،المتمثل في الشريان الاقتصادي و التجارة البعيدة المدى التي تستعمل السفن كأحد دعائمها، وكرد فعل انتقامي مشروع نتيجة الطرد التعسفي الذي كان ضحيته فئة المورسكيين بداية القرن السابع عشر، إضافة إلى كونه معينا للأرباح الطائلة. في حين تنظر إليه الدول الأوربية و خصوصا اسبانيا، من زاوية استمرار للحرب المقدسة التي تلت عمليات الاسترداد، وكتحرك منطقي لكبح جماح هذا الاستنزاف حماية لأساطيلها التجارية من مباغتات القراصنة، ثم وبالأساس كواجهة دينية تخفي أطماعا اقتصادية و عسكرية في المجالين المتوسطي و الأطلسي.
لقد أولت الأسطغرافية الأوربية اهتماما بالغا بموضوع العبيد والأسرى، و أفردت له دراسات جمة، لكن كما قلنا لم تكتس صبغة الموضوعية العلمية المعهود فيها، بل ركزت بشكل أساسي على الشق المتعلق برعاياها الموجودين في حالة أسر بالمغرب، و لزمت الصمت أو “تحرته” فيما يخص الأسرى المغاربة بفرنسا.
ظروف الأسر:
أسير مغربي يتفحص قيوده
1- الوقوع في الأسر:

لقد كانت حاجة الأسطول الفرنسي لسواعد المغاربة كمجذفين كبيرة للغاية، نظرا لكونه فاقدا لنجاعته بندرة أو غياب المكون الكفيل بضمان فاعليته، و المتمثل بالأساس في العنصر المغربي، لكن وقبل الإتيان على سر الطلب المتنامي للبحرية الفرنسية على المغاربة، لابد من ذكر حيثيات و طرائق وقوعهم في الأسر، وتبقى الهجمات القرصانية المسيحية أهمها، باعتبارها مفتاح ذكر الوسائل الأخرى، فلا يمكن أن نتحدث عن بيع أو شراء أو مبادلة… دون استعراض للكيفية التي يتم عبرها الحصول على (المادة البشرية) جوهر و جود التعاملات البينية المؤسسة للطرائق غير المباشرة و البديلة للهجمات القرصانية.
1,1- عن طريق الهجمات القرصانية :
يجدر الانتباه ، إلى أن المغاربة (ضحايا) العمليات القرصانية المتواجدين بفرنسا، لم يتم أسر غالبيتهم من طرف مراكب فرنسية، بل ساهمت في العملية سفن دول أوربية أخرى، سلمتهم للدولة المعنية نتيجة اتفاق أو تعاقد، حيث كان يتم التحصل على الكثير منهم عن طريق الشراء، قبل أن يقوم الوزير الفرنسي كولبير Colbert بدور كبير في تأهيل أسطول بلاده للعب نفس الدور الريادي الذي تقوم به مراكب الدول الأوربية الأخرى في محاربة المغاربة و القبض عليهم، وكان الهدف الأول من هذا الإجراء يتمثل في محاربة القراصنة المغاربة و تصفيتهم، لكن سرعان ماتحول المحاربون إلى قراصنة يجوبون البحار بحثا عن أعدائهم، سواء بصفتهم قراصنة أو مسالمين. يتم هذا الأسر عبر طريقتين:
. بحرًَا: من مميزات هذه الطريقة أنها توفر أكبر عدد من الغنائم البشرية ذات التكوين و التأهيل المميز، خصوصا مراسها على شؤون البحر، وتعتبر هذه الطريقة الأخطر من نوعها حيث أن راكب البحر في تلك الفترة يجازف من وجهتين، أولاهما خوفا من طارئ يؤدي إلى الغرق، و ثانيهما توجسا من هجوم قد يؤدي إلى فقدان الحرية.
تتلخص كيفية السيطرة على المراكب المغربية وبالتالي طاقمها بالطريقة التالية، حيث تعمد السفن المسيحية ذات الجهوزية العالية(كبرها وكثرة مدافعها) بمفاجأة سفن الطرف الآخر، خصوصا عندما تسمح الظروف الجوية بذلك، كانتشار الضباب الذي يضعف الطرف المهاجم و يفقده تناوره نظرا لضعف مجال الرؤية، وعندما تقترب منها تقصفها بدفعات من طلقات المدافع دون إصابتها مباشرة، وذلك لإرغامها على الاستسلام تحت التهديد بالإغراق، ثم تقودها بعد ذلك إلى أقرب مرفأ أوربي لبيع الحصيلة أو تنقيلها إلى فرنسا ، أما إذا فشل مخطط إخضاعها و أصرت على المحاربة أو الهرب، فيتم إغراقها ، من هنا تتمثل خطورة القرصنة البحرية عن رديفتها البرية.
برًََا: غالبا ما تكون مراكز انطلاقها من الثغور المحتلة، فقد شن الإسبان هجمات متعاقبة على المناطق البرية الأقل تحصنا ودفاعا انطلاقا من المعمورة و أصيلا والعرائش، وكذلك الإنجليز من قواعدهم بطنجة، قبل أن يتمكن المولى إسماعيل من استرجاعها الواحدة تلو الأخرى في نهاية القرن السابع عشر، و كانوا يستعملون لذلك الغرض حيلا متعددة، فمثلا في بعض الإنزالات يتم اللجوء إلى التنكر بأزياء أهل البلد المراد استهدافه، ثم يقومون بالهجوم عليهم وتطويقهم على حين غرة مما أثر في نمط الاستقرار السكاني، حيث ابتعد المغارب عن مجاورة تلك المراكز المحتلة و هجروا السواحل التي لم تعد في مأمن عن الإنزالات الخاطفة للقراصنة المسيحيين. وتبقى عملية التزود بهم عن طريق الشراء مهمة و فعالة لتعويض النقص واستكمال الدور المنوط بالوسيلة الأولى.
1,2- عن طريق عمليات الشراء :

يتم جلب المغاربة من مراكز استقطاب من جميع أطراف المتوسط ، خصوصا من مالطة، حيث كان دور هذه الجزيرة بالغ الأهمية لما يوفره قراصنتها من أعداد كبيرة من البضاعة البشرية، فاستقطبت بذلك أنظار فرنسا، وعين بها الوزير كولبير ابنه ليتكلف بعملية شراء الأسرى المغاربة، ولشرائهم تراعى مجموعة من الاعتبارات، في مقدمتها المظهر الخارجي العاكس للسن، و القوة و القدرة البدنية على تحمل المشاق…ثم الثمن الذي يستحسن أن لا يكون مرتفعا، و يتكفل بمهمة الشراء مجموعة من الوسطاء الذين يعملون بشكل فردي أو بتكليف من الدولة.
أسرى مغاربة يتداول في شأن فدياتهم
1,3- عن طريق عمليات التبادل:
لا يمكن تجاهل هذا المصدر رغم طبيعته الثانوية، وتتم هذه العملية بالوسيلة التالية، حيث يقوم سجين الحق العام الفرنسي، و الذي هو بالمناسبة يعاقب بنفس الأعمال التي يكلف بها الأسرى المغاربة، بشراء و إحضار أسير مغربي و جعله مكانه كشرط للاستفادة من الحرية قبل متم مدة عقوبته، أو بمنح البحرية الفرنسية مبلغ أربعمائة جنيه الثمن الأقصى لشراء البديل المغربي.
2-العيش في الأسـر:
لقد عانى الأسرى المغاربة من ويلات ظروف العيش في الأسر الفرنسي، بدءا بتنقيلهم إلى المراكز الرئيسية، وهي في الغالب عبارة عن موانئ(Toulon. Dunkerque .Marseille .Brest…(، والتي ستكون مسرحا للمعاملات اللاانسانية التي سنأتي على ذكر تفاصيلها، ثم سنتطرق إلى المهام الموكولة بهم سواء كمجذفين على ظهر السفن الملكية، أو كخدام عند الخواص، فانتهاء بامتهانهم و تحقيرهم والقسوة في تعذيبهم.
لقد بدأت معاناة الأسرى المغاربة منذ أول وهلة أسر، وذلك حتى قبل الوصول إلى الأماكن المخصصة للاستفادة من قواهم العضلية، فما هي الشروط التي يتم فيها تنقيلهم؟ وما هي الأعمال والأشغال التي يكلفون بها؟ وما مدى قسوة معاملتهم؟
2,1- التنقيل إلى مراكز الاستغلال:
في البداية يتم جلب الأسرى المغاربة من نقط الاستقطاب، كأسواق مالطة مثلا، و يرحلون في اتجاه فرنسا ، وعندما يراد تسفيرهم إلى مدينة أخرى عبر البر، يتم ربطهم بالسلاسل من أعناقهم، ويسيرون مثنى مثنى بانتظام في صف طويل، و يتم وضع سلسلة أخرى في الحلقات الموجود بسلسة عنق كل أسير على حد، فيصبح الكل مربوطا بسلسلة واحدة, ليشكلوا بذلك طابورا واحدا، وغالبا ما يكون عدد القافلة مابين 200 و 500 أسير،و تبدأ عملية المشي الذي يضطر خلالها الأسرى إلى الاحتفاظ بنفس إيقاع السرعة، و يسقط خلال المشي المنهكون من الضعاف والمرضى، لتنهال عليهم السياط دونما أدنى اكتراث بأوضاعهم التي يزيدها تفاقما تشنج أعضائهم من شدة البرد وسيلان جراحاتهم، مما يؤدي إلى وفاة أعداد مهمة منهم، فلا تصل القافلة إلى مقصدها دون أن تفقد ثلثا من أفرادها، حيث يجد الباحثون عبارة (مات في الطريق)، كأحد أسباب الوفاة في سجلات أسماء الأسرى المغاربة بالأرشيف الفرنسي.
وقد سجلت أكبر نسبة الوفيات فقط أثناء التنقيل،ناهيك عما ينتظرهم أثناء مقامهم بسجون الموانئ، فبمجرد وصولهم يتم إخضاعهم لمجموعة من الإجراءات والتدابير، أولها تعريتهم تماما من جميع ملابسهم، و فحص أجسامهم بعناية، في امتهان مبالغ لكرامتهم، ثم تتم حلاقة شعر رؤوسهم بالكامل، و توزع عليهم بعض الملابس التي يتم تجديدها كل سنة، ويصادف أحيانا موسم تجديدها خصاصا في المالية، فلا يتم ذلك، فتتحول القديمة إلى أشباه مرقعات، يحالوا بعد ذلك على موظف بالميناء، والذي يسجل بياناتهم الشخصية، كأعمارهم والتي تقيد غالبا جزافا بناءا على الهيئة الجسمانية، و أسمائهم و أسماء ذويهم، وحالتهم العائلية ثم بلدانهم الأصلية وما يجيدونه من أعمال، ثم يقسمونهم بعد ذلك كل حسب مؤهلاته، ويتم إرسال العدد الأكبر نحو السفن للتمرن على طريقة التجديف.
2,2- التجديف على ظهر السفن الملكية :
في البداية يتم إخضاع الأسرى لعملية التدريب، وذلك على ظهر سفينة بمرساة، ثم تليه تنظيم خرجات على مقربة من الميناء على ظهر (سفن مدرسية) تستمر من الفجر إلى الساعة العاشرة صباحا، وذلك لتعويدهم على مثل هذا العمل، وجعلهم أكثر استئناسا بالمجداف، وقد يتطلب ذلك مدة قد تصل إلى السنتين، أما نسبة المغاربة فتشكل دائما الأعلى من بين الجنسيات الأخرى، يشكل عدد ركاب السفينة ا حوالي ستمائة رجل، يعيشون لمدة شهرين أو ثلاثة في حيز ضيق مكدسين في مساحة لا تتجاوز 50 مترا في الطول و 13 مترا في العرض، و مترين عمقا، حيث يتواجد 150 مجذفا في اليسار ومثلهم في اليمين، جالسين في مقعد طولي لا يتجاوز المترين و نصف، عليه خمسة مجدفين مقيدين يقومون بتحريك مجداف طوله 16 مترا ووزنه 130 كيلوغراما، و يستمر التجديف دون انقطاع حسب الظروف، حيث يصل أحيانا إلى 12 ساعة بل 24 ، يصاحبه استعمال السوط من طرف جلاد يمنح من الامتيازات على قدر قسوته، سوط من النادر أن يستحمل البالغ 10 إلى 12 جلدة دون أن يفقد قدرته على الكلام و الحراك، وضع يواجهه المغاربة بالتكبير. هكذا كان المجدفون المغاربة ومعهم آخرون يعانون من جحيم التجديف و العمل الشاق، ويقضون نحبهم في التعذيب دون أن يعرف مكانهم أحد، أو يستطيع الكشف أو الاطلاع على وضعهم المزري نتيجة شتى صنوف المعاملة القاسية. لقد تم استغلال المغاربة و الأسرى عموما في الاشتغال بمهام أخرى كلما كان نشاط السفن في تناقص، لكن ما يعرف عن أنشطة هؤلاء أقل بكثير عن ما يعرف عن المجدفين، وقد عرفوا باسم الأسرى الخواص، كون جل أعمالهم تتم خارج الميناء، حيث يستفاد منهم في القرى المحيطة في جلب المياه و خدمة المنازل والاصطبلات، أو في بناء المنشآت… ، وكان على طول رصيف ميناء مرسيليا دكاكين صغيرة يشتغل بها الأسرى المغاربة كل حسب مهنته.

سفن تستعمل الأسرى المغاربة كمجذفين
2,3- القسوة في التعامل :
لقد عانى الأسرى المغاربة من شتى النواحي، لكن الجوع استفرد بحصة الأسد من هذه المعاناة، فنظام الأكل كان طعام الأسرى، والذي لن يقيم صلبهم ولن يسمنهم من جوع مع ثقل المهام الموكولة إليهم ، لذا كان وقع المسغبة عليهم عظيما، و شكوا ذلك للسلطان المولى إسماعيل في رسالة تم تسريبها إليه، نظرا لأن السلطة لم تكن تسمح بمعرفة أوضاع رعايا الملك في الأسر.أما العري فقد كان متفشيا بشكل كبير بينهم، حيث يضطر الأسرى إلى بيع ملابسهم من أجل لقمة عيش تسد رمقهم، و كذلك بسبب عدم تبديل الملابس كل سنة كما جرت العادة عليه لضعف في مالية البحرية، حيث يكتفى في بعض الأحيان بتوزيع بعض ثياب الأسرى المتوفين على الباقين، و التي غالبا ما تكون مجرد أسمال بالية لا تقي قرا و لا حرا.
ويزيد هذا التأزم ضربات السوط التي تتهاوى على الأجسام النحيفة، حيث يتم الاستيقاظ على وقعها، وعندما تخور قوى أسير وتخونه عضلاته عند التجديف، و في حالات أخرى كعدم شراء المغاربة للخمر من مراقبي السفن، و عدم تعاطيهم للدعارة مع باغيات المينـاء، والممانعة في إتيان هذه الممارسات تعرضهم للجلد نظرا لأنها تحد من المردودية المالية لمراقبي السفن القيمين عليها، ويتم الجلد بتثبيت أربع من الأسرى للمعني بالأمر بعد إزالة ما يواري ظهره، ثم ينهال المراقب على مغربي أو مسلم مكلف بالجلد بغية حثه مرغما على الجلد بقوة، ويواصل الجلد عشرين أو ثلاثين مرة حسب نوع المخالفة، وقد يصل العدد إلى مائة، وقليل من يعيـش بعد هذا العـدد، أما من خرج سالما بجراحات بليغة، فيتم وضع الخل و الملح على إصاباته تلافيا للنزيف أو التعفن، فاضطر البعض إلى الانخراط في شرب الخمر نسيانا لما يقاسيه وتجاهلا لهاته الممارسات، لكن أكثر شيء كان يحز في نفسهم هو ذلك الاحتقار الديني الممنهج، فالرهبان كانوا يجبرون المغاربة على الركوع وإزالة قبعاتهم أثناء مراسيم القداس الديني، ويتم إرغامهم على الارتداد ممنيهم بالأفضلية في التعامل، وقد سجلت نسب قليلة في تمسيح المغاربة، ذلك أن الجو العام بسجون الموانئ يجعلهم أكثر تشبثا بالإسلام.
لقد مات العديد من الأسرى المغاربة عن طريق الإعدام أو شدة التعذيب أو التطبيب السيء، حيث يلقى بهم في البحر إن توفوا على ظهر السفينة إمعانا في إذلال إخوانهم، وقد شكلت نسبة الموت من بينهم 44 بالمائة، 71 بالمائة منهم يموتون في السنوات الثلاث الأولى نتيجة الحاجة و الأمراض و سوء المعاملة، ولم يتم تخصيص مقبرة لهم إلا بعد تدخل من سفراء بلدهم، فتم بناء واحدة في مرسيليا ثم أخرى في طولون لا يزال سكان هذه المدن يحتفظون بذكريات عن أماكنها بعد أن اندثر الرسم.

جلد أحد الأسرى المجذفين

بعض السلاسل التي تستعمل في تكبيل الأسرى المغاربة
الخلاص من الأسر:
1- طرائقه:
1,1- عن طريق الافتداء :
تجدر الإشارة إلى عدم وجود طريقة محددة أو إجراء معين لتفعيل عملية خلاص الأسرى المغاربة عن طريق الافتداء، بل غالبا ما يتم الأمر كما اتفق، حسب ما تقتضيه الظروف السياسية و “الوقتية” و المتعلقة بالأساس بالطرف الثاني المتمثل في فرنسا، فالأخيرة ترعى مصلحتها ولا تفوت فرصة كي تغنم من هذه العملية، و السبب المشجع لمثل هذه العملية يكمن في الشيخوخة التي ميزت العديد من الأسرى المغاربة والعائدة لقلة التجديد وضعف التموين، فمتوسط مدة الإقامة مثلا ناهزت 15 سنة، هذه المدة سمحت بظهور شيوخ في الأسر، ليس بأعمارهم بل بالسنوات التي قضوها رهن الأسر، وبذلك نجد أن عملية الافتداء تكون أحد قنوات التخلص من الأسرى غير المرغوب فيهم، هذا الافتداء لا يخدم مصلحة فرنسا من هذه الجهة فقط، فمن جهة أخرى تحصل مقابل هؤلاء العجزة على رعاياها الأسرى بالمغرب نظير مبادلة أو مقابل فديات مالية هامة، و هنا تكمن الحنكة الدبلوماسية و التجارية للمفاوضين، فمن جهة تخفف فرنسا عنها العبء الثقيل المتمثل في الأسرى (عديمي الفائدة)، و من جهة أخرى تحصل من خلالهم على أموال توظف في شراء أسرى مغاربة أصحاء، دون الحديث عن الأثر و السمعة الطيبة و الدعم الشعبي الذي تلقاه نظير تحرير رعاياها من المغرب، و قد تلجأ فرنسا إلى حيل أخرى قصد تمويه الطرف المغربي مما يجعلها في حل من الوعود التي قطعتها، من بينها تجنيدها لقناصلها لافتداء الأسرى المغاربة المتواجدين بدول أخرى، و تقديمهم للطرف المغربي على أنهم من أسرى الموانئ الفرنسية المحتجزين لديها، و لقد اضطلع القناصل الفرنسيون بمالطا بدور ريادي في هذا المضمار، بسبب وجود عدد كبير من المغاربة في هذه الجزيرة في حالة أسر. أما الأسير المغربي بفرنسا فيمكنه افتداء نفسه من خلال اعتماده على إمكانياته الذاتية، حيث يقوم بجمع قيمة فديته من عمله الإضافي بموانئ التجديف، و الذي يمكن أن يصل إلى ثلاثين سنة من العمل المضني، أما إذا سنحت له الفرصة بمراسلة أهله فيمكن أن يحصل على فديته من خلالهم وهذه الطريقة هي الأخرى جد مربحة للبحرية الفرنسية، فبعد طول استفادة من الأسير، يتم الحصول منه أو من أقاربه على ثمن أكبر من الذي تم شراؤه به، هذا إن لم يتم أسره في عرض البحر من طرف المراكب الفرنسية، ليس هذا فحسب وجه الاستفادة، بل يتم إدراجه في لوائح المبادلة بعد أن اشترى حريته و بالتالي يتم خداعه، ثم يتم شراء أسير مغربي آخر—إن توفر- أصغر منه سنا و أكثر قوة.
لهذا كله تحبذ فرنسا طريقة المفاداة على أي نوع آخر من طرائق تحرير الأسرى، خصوصا ما يهم طريقة المبادلة، و التي لا تعود بنفع ملموس على البحرية الفرنسية، فعملت ما في و سعها للتنصل مثل هذه الطريقة رغم إلحاح الطرف المغربي على تفعيل آلياتها.
2- عن طريق المبادلة :
رغم الطابع الإنساني لظاهرة تبادل الأسرى بين المغرب و فرنسا، إلا أنها أخفت وجها قاتما من استغلال لشتى الوسائل لجعل العملية فارغة من محتواها، فأمام ضروب الحيل و الخداع التي تحبك من جانب الطرف الفرنسي، أصبح من المستحيل عقد عمليات تبادل شاملة وعامة، بل أصبح المحظوظون فرادى و جماعات من يستفيد منها دون أن ترقـى أعدادهم إلى أن تشمل كل من يعيـش ذل الأسر،ذلـك أن الشروط الاقتصـادية و السياسية هي التي كانت بالدرجة الأولى وراء تحديد ظاهرة تبادل الأسرى، وكما ذكرنا سلفا يصعب على البحرية الفرنسية التخلي عن الأسرى المغاربة ولو بمقابل، فإن وجدت نفسها محاصرة بالضغوط المغربية و إلحاحاتها، تبتكر خططا تجعل من عملية التبادل فرصة للاستفادة،لهذه العلة طالما تعنتت فرنسا في قبول التبادل، بل دافعت عن مفاداة كل بلد لرعاياه، و سبب تشبثها بهذه الإستراتيجية علمها المسبق بضعف مالية المغرب، والتي لن تقوى على تحرير العشرات من أسراها، ناهيك عن المئات التي تمثلها أعدادهم، و يكمن السبب كذلك بعلمها برفض المولى إسماعيل المبدئي للمفاداة بالمال.
نخلص من خلال المحورين السابقين إلى قلة عدد من شملهم الافتداء أو التبادل من الأسرى المغاربة، و بذلك تسد أمام وجوههم كل الأبواب المخولة لافتدائهم، و لم يعد بإمكانهم سوى اللجوء إلى ما تمليه الفطرة و السليقة في مواقف الشدة و الحرج، و الذي لا مندوحة عنه عند انقطاع السبل، أي الهرب.
3- عن طريق الهروب :
لم يعد للأسرى المغاربة اليائسين من وسيلة أو حل للفكاك من غل الأسر سوى تدبير خطة أو مخرج للهروب قد يوصلهم في آخر المطاف إلى بلدهم، وتتقوى هذه الفكرة أكثر و أكثر في ذهن هؤلاء عقب كل صفقة تبادل أو افتداء، لعلمهم المسبق بالأمد الطويل الذي يفصل كل عملية بالتي تليها، لكن الهرب من سجن الموانئ أو السفن المجدافية لم يكن بالأمر الهين، نظرا لكثافة المراقبة و الحراسة المشددة التي تحصي أنفاسهم، لذلك لم يتم تسجيل حالات كثيرة لفرار المغاربة، فمثلا بين 257 أسيرا تركيا تم استقدامهم إلى فرنسا مابين 1685 و 1687، لم يتمكن سوى ستة منهم من النجاح في عملية الهروب. و يعزى إخفاق الأسرى في محاولاتهم للهرب إلى سلسلة من الإجراءات التي يتم عن طريقها اكتشاف أيا منها، فالأسرى المغاربة مسؤولون عن بعضهم بحيث يعاقب رفيق الفار بالجلد، لذلك كانوا يمنعون بعضهم البعض من الفرار خشية ضربات السوط، هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من مسؤولية الحراس عن الأسرى، حيث كانوا يجبرون على أداء ثمن الأسير الهارب مما يجعلهم حريصين على منع أي محاولة من شأنها أن تكلفهم الكثير، وذلك بمراقبة عدم وجود آلات حادة بحوزة الأسرى قد تساعدهم في فك قيودهم، أما إذا تمكن أحدهم من التخفي عن العسس ووفق في الهرب، ولا حظ المراقبون المتجولون على ظهر السفن غيابه، يشرع في حينه في إطلاق عيارات مدفعية إخطارية، بحيث يفهم من خلالها السكان بأن أحد ” الكفرة العبيد” قد تمكن من الانسلال خارج المدينة، فيخرجون بكلابهم بحثا عنه، و سرعان ما يتم ترصده بسبب عدم معرفته للطريق واستحالة متابعته للمسير نظرا لقواه المنهكة، ناهيك عن ملابسه الحمراء المميزة و القيود المغلولة برجليه، لذا ما يلبث أن يلقى عليه القبض، و يكافأ مصطاده بعشرين ريالا، أما الهارب فيعاقب بقطع أنفه و أذنيه، وكالعادة تعالج إدارة سجون الموانئ الموقف بدهن الجروح بخل و ملح لمنع التعفن ووقف النزيف . أما إذا عاود الكرة فيتم قطع باطني ركبتيه أو يعدم، وفي أحسن الحالات يتم نقله إلى المستعمرات الفرنسية بأمريكا.
وقد رق لحال هؤلاء بعض من تجار و يهود مرسيليا، حيث سهلوا بعضا من عمليات الفرار، لذلك هددهم لويس الرابع عشر سنة 1696 بعقوبة تمثلت في ثلاث سنوات من التجديف إن تورط بعدها أحدهم في تهريب أسير خارج الميناء.
وقد وقفنا في تتبع المصادر على حالتي فرار أسيرين مغربيين باءتا بالفشل، أولاهما للمدعو إبراهيم الشاوش، و الذي نفذ فيه حكم قطع الأذنين و جذع الأنف سنة 1690، ثم حالة أسير من الأشراف عاد إلى المغرب مقطوع الأنف و الأذنين. و استاء السلطان مولاي إسماعيل أيما استياء من هذا الفعل، يقول ابن زيدان :
” … ولم يسكن غضبه- أي المولى إسماعيل- حتى برر له سفير فرنسا أن الأسير المذكور استوجب ذلك عقابا لاغتياله بعض الناس في فرنسا.”
لكن السؤال الملح لا يكمن في رد فعل السلطان وغضبه من العقوبة المنفذة في حق أحد رعاياه لقاء محاولته الهرب، و لكن في مدى مواكبته لأخبار الأسرى بفرنسا، وللجهود التي بذلها لأعادتهم إلى بلدهم.

مشهـد يصـور جانبا دالا من عملية تنقيل الأسـرى المغاربة
جهـود المـولى إسماعيل لفكـاك أسـراه :
كان المولى إسماعيل شديد الاهتمام بقضية رعاياه الأسرى بفرنسا، يستنهضه و يؤرقه وازعه و تكوينه الديني من أجل العمل على تخليصهم، وتستحثه مجموعة من النصوص القرآنية و الأحاديث النبوية لافتكاكهم كونه من الناحية الشرعية مسؤولا عنهم وقد صاحب هذه الأدلة التي كانت تستنهض همة المولى إسماعيل إلى مد يد العون لرعاياه الأسرى بفرنسا مطالب شعبية بالمساجد المغربية لتخصيص ما يدره الأوقاف من الأموال كسومات افتداء.
نتيجة لذلك كان المولى إسماعيل حريصا على افتداء أسراه، و كانت قضيتهم من القضايا التي تحظى بنصيب وافر خلال المفاوضات مع سفراء فرنسا المعتمدين بالمغرب، وقد فطنوا لهذا الأمر و غدوا يقدمون بين يديه أسرى من رعيته كهدية لإنجاح مهامهم الدبلوماسية، فقد حث لويس الرابع عشر الذي كان يراسله كثيرا في شأن الأسرى على مفاداتهم، حيث أعلمه في إحدى رسائله إليه بأنه توصل بهدايا من أقمشة حريرية و أشياء أخرى، و أن فرحته ستكون أكبر لو بعث له أسيرا عوض تلك الهدايا، وكثيرا ما كان يشجع تبادل الأسرى بين البلدين رافضا بذلك كل مقابل مادي، إذ قام بخطوات تحفيزية للطرف لآخر، وذلك بإرساله بين الفينة والأخرى لبعض الأسرى الفرنسيين في انتظار الحصول على مثلهم من المغاربة، وتبين بعض الوثائق أن المولى إسماعيل كان يتواصل سرا مع أسراه، منها رسالة مؤرخة ب23 أبريل 1682 كتبها الأسرى المغاربة بمرسيليا إلى المولى إسماعيل، يشكونه سوء المعاملة ويستعطفونه للعمل على تحريرهم، فعهد لبعض كبار قواده مباشرة مهام الاتصال بالفرنسيين و الدخول معهم في مفاوضات تحقيقا لرغبتهم، ومن بين أشهر هؤلاء القواد علي بن عبد الله حاكم طنجة وتطوان، حيث كان له الفضل الكبير ومن بعده ابنه أحمد بن علي بن عبد الله في تحرير عدد لا يستهان به من الأسرى المغاربة، وما تزال بعض رسائله إلى وزراء فرنسا محفوظة في الأرشيف الفرنسي، ويوجد بعض منها في الوثائق الغميسة لتاريخ المغرب لدوكاستريي، تشهد على جهوده في هذا الصدد.
إلى جانب دور القياد، لعبت السفارات التي بعثها المولى إسماعيل إلى فرنسا دورا هاما في الوقوف على معاناة الأسرى المغاربة عن كثب، و من ثم العمل وبذل كل الجهود لتحريرهم، فما هي هذه السفارات؟ وأين يتجلى دورها في هذا المضمار؟
لقد بعث المولى إسماعيل الحاج محمد تميم سفيرا إلى فرنسا، حيث كللت سفارته بالتوقيع على اتفاقية سلام جديدة في 29 يناير 1682، ضمت عشرين بندا، من بينها بند ينص على افتداء الأسرى من كلا الطرفين بمبلغ 300 جنيه، ثم على إثرها تم تبادل 85 أسيرا، أما السفير فقد طلب عند قفوله من مهمته العروج على مرسيليا لتفقد أسرى بلده، وفي طريقه إليها، أرسل لويس الرابع عشر رسالة مستعجلة إلى برودار Brodart مقتصد بحرية مرسيليا، تحضه على الحيلولة دون رؤية السفير المغربي لأسرى بلده. لقد باءت هذه السفارة فيما يخص قضية الأسرى المغاربة بالفشل الذريع، فعاود محمد تميم الكرة سنة 1685، لكن لويس الرابع عشر رفض استقباله كونه لا يحمل صلاحيات تؤهله للمفاوضة كسفير معتمد، و بذلك تم إرجاء إرسال سفير آخر و اكتفي باستضافة مبعوثين من فرنسا، إلى أن سنحت الفرصة ببعث السفير الشهير عبد الله بن عائشة إلى بلاط لويس الرابع عشر سنة 1698.
لم يوفق كذلك السفير عبد الله ابن عائشة في مهمته، ولم يستطع إرجاع أي أسير إلى المغرب رغم كون سفارته مخصصة بالدرجة الأولى لهذا الغرض.
لقد عمل المولى إسماعيل جاهدا بشتى الطرق على تخليص الأسرى المغاربة بفرنسا، ساهم في ذلك شخصيته و تعنته و استماتته في التفاوض لنيل ذلك المراد، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح الكبير، رغم بعثه لسفارتين كانتا في الدرجة الأولى من أجل هذه القضية.
سنأتي الآن إلى ذكر قضية أخرى و المتمثلة في المعاملة التي يتلقاها الأسرى الفرنسيون بمكناس، حيث طالب المولى إسماعيل كحد أدنى بمعاملة الأسرى المغاربة بفرنسا بمثل معاملته للأسرى الفرنسيين بالمغرب، رغم كون المعاملة التي كان يخص بها أسراه في مكـناس ناجمة عن اعتبارات تمليها العقيدة الدينية أكثر منها مقتضيات سياسية و دبلوماسية،
لقد عاش الأسرى المغاربة بفرنسا أحلك فترات التاريخ الإنساني، حيث لم ينلهم من فرنسا(عصر الأنوار و ملتقى الفنون و الثقافات) إلا الجانب المظلم و القاتم منـه، و لم ينته مسلسل معاناتهم إلا بعد أن قررت فرنسا إلغاء و منع تداول السفن المجذافية في 27 شتنبر 1748، و لم يعد لدى فرنسا بعد ذلك سوى سفينتين للمراقبة، ثم عزز قانون الإلغاء بقرار آخر يمنع اتخاذ الأسرى كمجذفين، حيث و جدت فرنسا نفسها متجاوزة في هذا الباب من أمم أخرى تخلصت من هذا النظام الملاحي منذ أمد.
إن هذه الخطوة التي قمنا بها عبارة عن بادرة أولى يلزمها المزيد لكشف مختلف تشعبات موضوع الأسرى المغاربة بفرنسا، ليس فيها فحسب بل في أوربا عامة، و كذلك بدراسة أصول ظاهرة أسر المغاربة من طرف الأوربيين، حيث يعود عهدها إلى عهد أقدم بكثير من الفترة المدروسة ، ولا يخفى ما للموضوع من تفرعات أخرى يمكن إعطاؤها حقها من التحليل و الدرس، كالكلمات و العادات التي أدخلها هؤلاء الأسرى على البيئة الثقافية و الاجتماعية الفرنسية، ثم استجماع أي معلومة تحوم حول هذا الموضوع، ومن شأن هذه الخطة أن تفضي بنا إلى حقائق مدهشة، ككون مكتشف الغرب الأمريكي من أصول مغربية يدعى الزموري، كان أسيرا بأوربا قبل نقله مع بعض المغامرين الأوربيين إلى أمريكا، و كون الرسام الإيطالي الشهير ليوناردو دافينشي صاحب الجوكندا من أصول موريسكية، حيث كانت أمه من الأسيرات المسلمات بإيطاليا، كذلك كون أحد أبطال روايات فيكتور هيكو Victor Hugo جافا على السفن الملكية بطولون.
إذن يتبين أن لا مندوحة عن حث الجهود و استنهاض همم الدارسين لاستقراء الوقائع التاريخية و نفض الغبار عن رفوف الأرشيف الأوربي و إيلاء أهمية كبرى لهذه الفئة المنسية من التاريخ الإنساني، و عدم استغلال السجون التي قبع فيها الأسرى لمجرد جلب السياح ودر مزيد من الأموال، ومن سخرية القدر أن يتعامل مع هذا التراث بهذا الشكل فقط، فهم (أي الأسرى) شكلوا مجلبة للمال و الغنيمة في حياتهم و كذلك حتى بمماتهم.
إن أمام الباحثين في مجال التاريخ فرصا مهمة لمدارسة هذا الموضوع، و ذلك باستثمار الأرشيف الأجنبي و الخروج بإجابات حول أسئلة ماتزال تؤرق من كان زاده يتوقف على المصادر المحلية، من قبيل : هل المخزن المغربي كان جادا في عمله على إنهاء
مسألة أسراه بفرنسا وبدول أوربا عامة؟ و هل بالفعل كانت المهمة الأساسية للسفراء الذين يبتعثهم تتمثل في تخليص الأسرى المغاربة من الاستعباد؟
أسـرى مغاربة يتـداول في شـأن فدياتهـم

أسيـر مغربي في مينـاء فرنسـي
نص الرسالة التي بعثها المولى إسماعيل إلى قنصل فرنسا بالمغرب يتوعده إن لم تسرح فرنسا بعضا من أسرى بلده لديها
“ الحمد لله وحده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الى قنصل الفرنصيص القاطن الآن بربط سلا حرسه الله، السلام على من اتبع الهدى وبعد، فاعلم ان الرايس عبد القادر بريش جاءنا بكتاب في يده جاءه من مرسيلي من عند ولد أخته قاسم ملاط و هو يذكر أن طغيتكم كان سرحه لوجهنا هو و ثلاثة من الأسارى علي مرشيد و أولاده بربيش باثنين وقاسم الملاط و خرجوا من الغراب يقصد القدوم لبلادهم لما تكلفت أنت و الفرايلة بهم، ثم أنهم ردوهم الى الغراب لموضعهم ولا علمنا ما السبب في ردهم فالى الآن فعلي بعهد الله و سيدنا محمد بن عبد الله ولا تبعت من وراهم بأربعة و يقدموا بالعزم حتى ناخذك أنت و مالك و لا شفاعة فيك، أهكذا تلعـب لنـا و تسرحوا الأسرى و تردهم فاعلم أنك المواخذ بهم و الجد منا
و السلام
وفي الخامس من رمضان المعظم عام 1119.”
عدد الأسرى المغاربة بفرنسا وأهميتهم
نادرا ما يتجاوز عددهم سقف الخمسمائة أسير، بل يتراوح بين المائة والأربعمائة أسير، و قد تعمدت فرنسا التستر على أعدادهم، حيث لم ترغب في كشفه سواء للسفراء أو للسلطان المولى إسماعيل، وواجهت إدارة التجديف مشكلة نتيجة هدا التعتيم مع الأسرى المغاربة الشيوخ و المرضى و المعوقين، و الذين يكلفون الكثير و لا يستفاد منهم، حيث لا يتم تسريحهم أو مبادلتهم كي لا يتم إعلام مسؤولي بلدهم بأعدادهم.
يجرنا الحديث عن تعنت فرنسا في إخفاء أعداد الأسرى المغاربة لديها إلى ذكر أهميتهم بالنسبة إليها، و التي تزداد و تتفاقم بموازاة مع ندرتهم، حيث غالبا ما يتم تسجيل قلة الأسرى المغاربة- و بالتالي المجدفين المهرة- مع كل تناقص في الغنائم المحصل عليها من الهجمات القرصانية، إضافة إلى التعميد الممنهج و الكثيف الذي يطال الأسرى من جنسيات أخرى، مما يرجح كفة الخصاص نحو المغاربة، كون المتمسحين لا يتم توظيفهم في أعمال التجديف، زد على ذلك الفشل الذريع الذي منيت به خطة تجنيد السود الأفارقة، نظرا للوفيات الكبيرة المسجلة في صفوفهم و التي بلغت أزيد من 90 بالمائة، لعدم قابليتهم لمزاولة مهام التجديف و عدم تأقلمهم مع مناخ فرنسا، و بالتالي فشلت الإستراتيجية التي يرجح بعض المؤرخين نقلها من تجربة المولى إسماعيل في تجنيد ما سمي فيما بعد بعبيد البخاري، فتم التخلي عن هذه الخطة سنة 1685، لذا تم استغلال جميع الوسائل لعدم التفريط في الأسرى المغاربة، حتى و إن كانت هناك اتفاقيات مبرمة مع بلدانهم، وارتفع ثمـن الأسيــر المغربي
داخل أسواق الموانئ الأوربية ليتجاوز مقدار أجرة عامل بناء في باريس لمدة سنة، هذه الأهمية كما أشرنا في الفصل الأول نابعة من قابلية المغاربة لجميع المهام خصوصا التجديف.

عبد الله بن عائشة في فرنسا محاط بخدم من الأسرى المغاربة هناك
بعض الأمثلة الدالة على ما للهجمات القرصانية بنوعيها، من وقع كبير في سقوط المغاربة ضحية الأسر.
لقد شكلت سنة 1681، السنة التي وصلت فيها البحرية الفرنسية لأوجها، حيث أسرت أزيد من 300 مغربي أغلبهم من سلا بعد أن كانوا في طريقهم إلى الحج، ضمنهم 103 من الركاب كانوا على متن سفينة سلاوية أخرى ارتطمت بسواحل الكارف Algarve البرتغالية بعدما طاردتها قطعة من الأسطول الفرنسي وتم نقل الكل للعمل في مرسيليا Marseilleالميناء الفرنسي الشهير، و أسر مركب آخر قرب المعمورة و به 40 مغربيا، وفي سنة 1683 استولى الإسبان قرب قرطاجنة على سفينة فرنسية تقل مغاربة، ثم سنة بعدها تمكن الإنجليز من أسر عدد مهم من المغاربة بعد غرق آخرين، وفي نفس السنة استولى الفرنسيون على سفينة مغربية، و أسر منها 25 مغربيا، و في سنة 1690 تمكن الفرنسيون مرة أخرى من أسر أزيد من 121 مغربيا من خلال عمليتين ناجحتين.
رسالة مؤرخة ب 23 أبريل 1682، بعثها الأسرى المغاربة بمرسيليا إلى المولى اسماعيل.
«...نعلم أنه لشفقتكم بنا بعثتم يامولاي سفيركم إلى ملك فرنسا، لكن هؤلاء الكلاب ما إن علموا بالأمر حتى أرسلونا إلى البحر، ماعدى العجزة و غير القادرين على التجذيف، والذين تم إرسالهم إلى السجن غير بعيد من الميناء كي لا تصل أخبارهم السفير، لقد استغفلوه و قلبوا له الحقائق و لم يهنأ لهم بال حتى غادر فرنسا دون أدنى خبر عن معاناتنا…»
رسالة من عبد الله بن عائشة إلى الأسرى المغاربة بمرسيليا
“…الى كافة الأسارى المسلمين بمرسيلة أخص منهم محمد بشر …رعاكم الله بعين رعايته واسبل عليـنا و عليكم رداء ستره آمين…انني بعثني مولانا أمير المومننين باشدورا على شان فدائكم و فداء غيركم من المسلمين فلما بلغنا هذه البلاد و تلاقينا مع ملك افرنصية قال لنا تكلم مع الوزراء فيما جيت به الينا…قالو لنا منا الا رأس مسلما برأس نصرانيا فقلت لهم اني بعثني ضيفي نصره الله بما ذكرت لكم فقط حتى قلتم هذا الكلام فتبارك الله عليه انني ننظر في الأسارى أهل بلادنا البحرية التي نحتاج منهم نأخذ منكم رأسا برأس كما ذكرتم فقالوا لي أيضا لا نقبل منك هذا وانما نجعل لكل أسير 150 ريالا انت تفدي و نحن نفدي…فامتنعوا من هذا كله و سقطنا أمور الصلح و غيره…فلا تيأسوا من هذا الأمر فانه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون”
عدد الأسرى المغاربة بفرنسا وأهميتهم
نادرا ما يتجاوز عددهم سقف الخمسمائة أسير، بل يتراوح بين المائة والأربعمائة أسير، و قد تعمدت فرنسا التستر على أعدادهم، حيث لم ترغب في كشفه سواء للسفراء أو للسلطان المولى إسماعيل، وواجهت إدارة التجديف مشكلة نتيجة هدا التعتيم مع الأسرى المغاربة الشيوخ و المرضى و المعوقين، و الذين يكلفون الكثير و لا يستفاد منهم، حيث لا يتم تسريحهم أو مبادلتهم كي لا يتم إعلام مسؤولي بلدهم بأعدادهم.
يجرنا الحديث عن تعنت فرنسا في إخفاء أعداد الأسرى المغاربة لديها إلى ذكر أهميتهم بالنسبة إليها، و التي تزداد و تتفاقم بموازاة مع ندرتهم، حيث غالبا ما يتم تسجيل قلة الأسرى المغاربة- و بالتالي المجدفين المهرة- مع كل تناقص في الغنائم المحصل عليها من الهجمات القرصانية، إضافة إلى التعميد الممنهج و الكثيف الذي يطال الأسرى من جنسيات أخرى، مما يرجح كفة الخصاص نحو المغاربة، كون المتمسحين لا يتم توظيفهم في أعمال التجديف، زد على ذلك الفشل الذريع الذي منيت به خطة تجنيد السود الأفارقة، نظرا للوفيات الكبيرة المسجلة في صفوفهم و التي بلغت أزيد من 90 بالمائة، لعدم قابليتهم لمزاولة مهام التجديف و عدم تأقلمهم مع مناخ فرنسا، و بالتالي فشلت الإستراتيجية التي يرجح بعض المؤرخين نقلها من تجربة المولى إسماعيل في تجنيد ما سمي فيما بعد بعبيد البخاري، فتم التخلي عن هذه الخطة سنة 1685، لذا تم استغلال جميع الوسائل لعدم التفريط في الأسرى المغاربة، حتى و إن كانت هناك اتفاقيات مبرمة مع بلدانهم، وارتفع ثمـن الأسيــر المغربي
داخل أسواق الموانئ الأوربية ليتجاوز مقدار أجرة عامل بناء في باريس لمدة سنة، هذه الأهمية كما أشرنا في الفصل الأول نابعة من قابلية المغاربة لجميع المهام خصوصا التجديف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | السمات:amazigh., أضف سمة جديدة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج







































